القرطبي

56

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين ( 88 ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( لا تمدن عينيك المعنى : قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس ، فإنه ليس منا من لم يتغن بالقرآن ، أي ليس منا من رأى أنه ليس يغنى بما عنده من القرآن حتى يطمح بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى . يقال : إنه وافى سبع قوافل من البصرة وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد ، فيها البر والطيب والجوهر وأمتعة البحر ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله ، فأنزل الله تعالى : " ولقد آتيناك سبعا من المثاني " أي فهي خير لكم من القوافل السبع ، فلا تمدن أعينكم إليها . وإلى هذا صار ابن عيينة ، وأورد قوله عليه السلام : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي من لم يستغن به . وقد تقدم هذا المعنى في أول ( 1 ) الكتاب . ومعنى ( أزواجا منهم ) أي أمثالا في النعم ، أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى ، فهم أزواج . الثانية - هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوف إلى متاع الدنيا على الدوام ، وإقبال العبد على عبادة مولاه . ومثله " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ( 2 ) فيه " الآية . وليس كذلك ، فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حبب إلى من دنياكم ( 3 ) النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " . وكان عليه الصلاة والسلام يتشاغل بالنساء ، جبلة الآدمية وتشوف الخلقة الانسانية ، ويحافظ على الطيب ، ولا تقر له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى ، ويرى أن مناجاته أحرى من ذلك وأولى . ولم يكن في دين محمد الرهبانية والاقبال على الأعمال الصالحة بالكلية ( 4 ) كما كان في دين عيسى ،

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 12 . ( 2 ) راجع ج 11 ص 261 . ( 3 ) كذا في سنن النسائي ومسند الإمام أحمد . والذي في الأصول : " حبب إلى من دنياكم ثلاث . . . الخ " وبكلمة " ثلاث " لا يستقيم الكلام . راجع كشف الخفا ج 1 ص 338 ففيه بحث شيق واف . ( 4 ) أي الانقطاع الكلى عن الدنيا فإنه من معاني الرهبانية .